فوزي آل سيف
70
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
ـ الحَقُودُ مُعَذَّبُ النَّفْسِ، مُتَضَاعِفُ الهَمِّ، وَأَشَدُّ القُلُوبِ غِلًّا قَلْبُ الحَقُودِ. ولكي يبين أنه لا شيء يستحق أن يتحاقد لأجله، قال: الدُّنْيَا أَصْغَرُ وَأَحْقَرُ وَأَنْزَرُ مِنْ أَنْ تُطَاعَ فِيهَا الأَحْقَادُ[150]. ليس الحقد صفة لئيمة بل هو أكثر الأخلاق لؤمًا، ولعل ذلك لأجل أن الغالب أن الحقد بلا أسباب حقيقية أو أنه ليس بالمقدار الطبيعي. ويزداد الحقد سوءًا لأنه في الغالب يحرك الحاقد على إيذاء من يحقد عليهم، بلسانه أو يده وبانتقام فظيع تغذيه المشاعر المتطرفة، فلا يلجأ الحاقد للقانون فضلا عن الاخلاق، ولا يأخذ حقه ـ لو كان له حق ـ بمنطق من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم! وإنما يستأصل قبيلة كاملة أحيانًا لأجل فرد واحد، ويقتل جيلا لأجل شتيمة! وقد يكون بلا سبب أصلًا حتى مثل هذه الاسباب التافهة، مثلما نرى فيما يسمى بجرائم الحرب والإبادات الجماعية، حيث يقوم فريق أو زعيم بارتكاب أعظم الجنايات في فئة من الناس لا لسبب واضح، فضلًا عن أن يكون عادلًا! هذا ما نجده في السياسة والتاريخ، وتتحدث عنه الأرقام والوقائع. وقد نجده على مستوى أضيق كما يحدث أحيانًا في محيط العمل أو الدراسة.. ففي العمل قد يتقصد رئيسٌ نافذ أشخاصًا فيحول بينهم وبين الترقية، بل قد يصطنع المعكرات لإلغائهم من العمل وإقالتهم. وهذا لا لأنه يخسر مالًا أو تتأثر وظيفته ومنصبه وإنما هو مستسلم هنا لحالة حقد تجاه هؤلاء الأشخاص بالذات، أو قوميتهم، أو تجاه دينهم، أو مذهبهم فلأنه (لا يحب، بل يحقد على تلك القومية أو الدين أو المذهب) فيخرج أضغانه في حق هؤلاء ويقطع رزق أطفالهم، وخبز عوائلهم! أرأيت كيف يكون الحقد ألأمَ الخُلق كما يقول أمير المؤمنين؟. وكونه موجودًا في المحيط الأضيق لا يقلل من سوئه بل قد يزيد، والسبب أن دائرة الابتلاء به ستكون أوسع والضرر اللاحق بالناس سيكون أكثر. لذلك نجد أن إحدى المشاكل اليوم في المدارس بمختلف مستوياتها من الابتدائية للجامعة، هو ما يسمى بالتنمر (وربما سمي في بعض الدراسات والمقالات بالاستئساد) وهو مظهر متفرعن من مظاهر الحقد الداخلي! والتنمر وهو الاسم الاكثر شيوعا، مأخوذ من اسم النمر، وهو الحيوان المعروف الذي يعتمد على تخويف الفريسة بأن يزأر في وجهها ثم ينقض عليها.. ولأن من يقوم بهذا العمل بالنسبة لمن هو أضعف منه، يمارس نفس الطريقة من التخويف والارعاب، اشتق اسم هذا الفعل من الممارسة الحيوانية المتوحشة. وقد يظهر التنمر وهو ناشئ من الحقد كما تقدم في مظاهر، منها: المظهر اللفظي فيبادر المتنمر الحاقد إلى الاساءة اللفظية له والسباب والشتيمة أو السخرية والاستهزاء به بين الطلاب لكسر شخصيته وتحطيمها! ولو أراد المتنمَّر عليه أن يرد على المعتدي إساءته، يبدأ بالاعتداء عليه بالضرب أو يستعين بمن يتفق معه على إهانة ذلك الشخص وإخافته!
--> 150 .. هذا وما قبله. الري شهري؛ الشيخ محمد: ميزان الحكمة 1/ 648